في مفهوم كلمة الثقافة

ناجي البديوي


- فكر :

في مفهوم كلمة الثقافة


الثقافة، وهي كلمة تلقّي العلم، و تصريف الفكر، لا مادتها، فهي ككل ملكة من ملكات الشعور و الإدراك، ناشئة عن الشخصية، و مرتبطة بها. و لذلك تختلف في كل أمّة باختلاف شخصيتها عن شخصية غيرها من الأمم، اختلافا ناشئا عن اختلاف الطبائع و الأقاليم، و ذكريات الماضي، وو طرائق التعبير، و فنون الآداب، و غر ذلك من مقومات الشخصية القومية لكل أمة. بحيث لا يستطيع أي فرد أي يكوّن جنفسه أي ثقافة كما يريد، بل هو مدفوع بعوامل تكونه إلى ثقافة معينة، فإما أن تنشأ فيه فيكون مثقفا، وإمّا ألّا تنشأ فيه فلا يكون مثقفا أصلا.

بهذا الإيجاز البديع حدد الأستاذ الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور في إحدى محاضراته، مفهوم كلمة الثقافة في أوسع معانيها و أشمل مدلولاتها، وضعها في إطارها الصحيح. و من هذا المنطلق يمكن القول بأن التقافة تعني حركة خلق و إبداع، و نتاج روحي و مادي، قوامها الوعي الصحيح، و النظرة الثابتة للأشياء، و الإرادة الموجهة للخير، و التشبث بالهوية الأصلية، التي ينتج عن تفاعل جميعها، تأكيد الذات، و تجذير الشخصية، و توليد الطاقة المحركة للأحداث العاجلة منها و الآجلة، بغية التحكم في توجيهها التوجيه السّليم عبر الإمتداد التاريخي و الحضاري لعصور النهضة. فهي إذا تختلف عن مدلول العلم، و ان كانت تتداخل معه و تتلاقح، و ينتظم مزيجها في الكلّ الثقافي للأمة و المجتمعات، الذي يؤثر بدوره في حياتها الاجتماعية و الفكرية.

و كذلك نجد جذر كلمة "تقافة" هو : ث ق ف، و الذي يحتوي في في اللغة العربية على معنيان رئيسيان. و يتمثل المعنى الأول في ثَقَفَ: قال الفيروز أبادي: ثَقَفه: أي صادفه أو أخذه أو ظفر به أو أدركه.
وأُثقِفْتُهُ: قُيِّضَ لي. و في نفس السياق نجد قول الله تعالى :(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)
و أما المعنى الثاني فيتمثل في ثَقِفَ يثقَف، وثَقُفَ يثقُف، ثَقْفاً وثَقَفاً وثقافة: صار حاذقاً خفيفاً فطناً.
ثَقِفَ الكلام: حذقه وفهمه بسرعة
وثَقَّفَ الرمحَ: قوّمه وسوّاه
وثقَّف الولد: هذّبه وعلّمه.
وثاقفه مثاقفةً: غالبه فغلبه في الحذق.

كما جاء ابن منظور في لسان العرب أن معنى ثَقَفَ: جدّد وسوّى، ويربط بين التثقيف والحذق وسرعة التعليم. ويعرف المعجم الوسيط الثقافة بأنها (العلوم والمعارف والفنون التي يطلب فيها الحذق).